الثلاثاء 22 صفر / 22 أكتوبر 2019
09:13 ص بتوقيت الدوحة

التشغيل الآلي وعواقبه الاقتصادية (2-2)

التشغيل الآلي وعواقبه الاقتصادية (2-2)
التشغيل الآلي وعواقبه الاقتصادية (2-2)
إذا كانت الخسائر في الوظائف مجرد ظاهرة قصيرة الأمد، فإن التأثير التراكمي لسلسلة من الإبداعات الموفرة للعمالة بمرور الوقت ربما يفضي إلى بطالة طويلة الأجل، فضلاً عن ذلك، تفترض آلية ضبط الأسعار الفعالة الانتشار العام للمنافسة، ولكن في سوق احتكار القلة، قد تستخدم الشركات ما توفره من التكاليف لتعزيز الأرباح وليس خفض الأسعار.

تدعم مثل هذه الاعتبارات نظرة معاصرة مفادها أن الفوائد المترتبة على الأتمتة طويلة الأجل، في حين من المحتم أن ترتفع «الزيادة عن الحاجة» خلال «فترة انتقالية»، ولكن عندما يكون من المحتمل أن تستمر الفترة الانتقالية لعقود من الزمن، كما يعترف تقرير معهد ماكينزي العالمي الصادر مؤخراً، فليس من المستغرب أن يشكك العمال في هذا العدد الكبير من حجج التعويض.

زعم كارل ماركس أن مثل عملية التعويض هذه لا وجود لها، سواء في الأمد القريب أو الأمد البعيد، وعلى هذا فإن القصة التي رواها لا تشتمل على نهاية سعيدة لصالح العمال، ليس في ظل الرأسمالية على الأقل.

قال ماركس، إن المنافسة تجبر الشركات فرادى على استثمار أكبر قدر ممكن من أرباحها في الآلات الموفرة للعمالة، أي تلك التي تعمل على خفض التكاليف، لكن زيادة الميكنة لا تعود بالفائدة على الرأسماليين باعتبارهم طبقة، صحيح أن أول المنتقلين يتمتع بميزة مؤقتة من خلال «التسارع نزولاً على منحنيات متوسط التكلفة المنخفضة»، على حد تعبير جوزيف شومبيتر في كتابه «تاريخ التحليل الاقتصادي»، وإبادة الشركات الأضعف في الوقت ذاته، لكن المنافسة تعمل عندئذ على نشر تكنولوجيات جديدة وتزيل بسرعة أي ربح ضخم مؤقت.

كما زعم ماركس أن استعادة معدل الربح تتطلب «جيشاً احتياطياً متزايد الحجم من العاطلين عن العمل»، وعلى هذا فإن الميكنة -وفقاً لزعمه- «ألقت بالعمال على الرصيف»، من منظور ماركس، تكون البطالة تكنولوجية بطبيعتها، وعلى الرغم من استيعاب الجيش الاحتياطي بشكل مؤقت في قوة العمل خلال فترات الازدهار الشديد، فإن استمرار وجود هذا الجيش يؤدي إلى عملية إفقار متزايدة الحدة في الأمد البعيد.

من منظور ماركس، إذا كانت سلسلة الأحداث الطويلة معاكسة للرأي التقليدي تماماً، فالمكننة تخلق ازدهاراً محموماً في الأمد القريب، ولكن على حساب تدهور شديد في الأمد البعيد.

كانت التأثيرات التوزيعية المترتبة على التغير التكنولوجي بارزة بوضوح لزمن طويل في المناقشات الدائرة بين أهل الاقتصاد، في كتابه الصادر في عام 1932 بعنوان «نظرية الأجور»، عمل جون هيكس على تطوير فكرة الإبداع المستحث، وقد زعم أن الأجور الأعلى من شأنها أن تدفع الشركات -من خلال تهديد معدل الربح- إلى الاقتصاد في استئجار العمالة، لأن عامل الإنتاج هذا أصبح الآن أكثر تكلفة نسبياً، وعلى هذا فإن أتمتة الاقتصاد ليست ببساطة نتيجة لزيادة القدرة الحاسوبية على غرار قانون مور، بل إنها تعتمد على تغيرات في التكلفة النسبية للعمالة ورأس المال.

هذه حجج معقدة فنياً، ولكن من الواضح أن النظرية الاقتصادية لا تقدم إجابة واضحة فيما يتصل بالتأثير بعيد الأمد على البطالة نتيجة للتقدم التكنولوجي، أفضل استنتاج يمكننا استخلاصه إذاً هو أن التأثير سيعتمد على التوازن بين إبداع الـمنتجات وإبداع العمليات، فضلاً عن عوامل أخرى مثل حالة الطلب، ودرجة المنافسة في السوق، وتوازن القوى بين رأس المال والعمالة.

كل هذه مجالات مهمة، حيث يمكن للحكومات أن تتدخل، وحتى لو كانت الأتمتة تقليدياً مفيدة في الأمد البعيد، فلا ينبغي لصناع السياسيات أن يتجاهلوا تأثيراتها المدمرة قصيرة الأجل، فالأمد القريب هو في نهاية المطاف المكان الذي تقع فيه الأحداث التاريخية المروّعة.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.