السبت 22 ذو الحجة / 24 أغسطس 2019
02:09 ص بتوقيت الدوحة

القوة الناعمة الأميركية في عصر ترمب (2-2)

جوزيف ناي

الثلاثاء، 14 مايو 2019
القوة الناعمة الأميركية في عصر ترمب (2-2)
القوة الناعمة الأميركية في عصر ترمب (2-2)
عندما يصبح حجم المعلومات التي يتلقاها الناس هائلاً، يكون من الصعب معرفة ما يجب التركيز عليه. تم تصميم خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي للتنافس على الاهتمام. وأصبحت السمعة أكثر أهمية مما كانت عليه في الماضي، وغالباً ما تركز الصراعات السياسية، التي تغذيها الانتماءات الاجتماعية والأيديولوجية، على خلق المصداقية أو تدميرها. حيث تستطيع وسائل التواصل الاجتماعي أن تجعل المعلومات الخاطئة تبدو أكثر مصداقية إذا كان مصدرها «الأصدقاء». وكما أظهر تقرير المستشار الخاص الأميركي روبرت ميولر بشأن التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية لعام 2016، فقد مكّن هذا الأمر روسيا من تحويل وسائل التواصل الاجتماعي الأميركية إلى أسلحة. لطالما كانت السمعة مهمة في السياسة العالمية، لكن المصداقية أصبحت مصدراً أكثر أهمية للقوة. فالمعلومات التي تظهر في صورة دعاية قد لا تكون عرضة للسخرية فحسب، بل قد تأتي أيضاً بنتائج عكسية إذا كانت تقوض سمعة أي بلد من حيث مصداقيته، وبالتالي تضعف من قوته الناعمة. والواقع أن الدعاية الأكثر فعالية لا تتأتى من خلال الحملات الدعائية، بل من خلال الحوار المتبادل بين الناس.
يبدو أن روسيا والصين لا تدركان هذا الأمر، وتفشل الولايات المتحدة أحياناً في اجتياز هذا الاختبار أيضاً. على سبيل المثال، أدت معاملة السجناء في سجن أبو غريب خلال حرب العراق بطريقة لا تتفق مع القيم الأميركية إلى خلق تصورات عن نفاق الولايات المتحدة، ولم يكن من الممكن عكس تلك التصورات من خلال بث صور للمسلمين الذين ينعمون بحياة كريمة في أميركا. واليوم، تعمل «التغريدات» الرئاسية التي يتبين كذبها بوضوح على تقويض مصداقية أميركا وتحد من قوتها الناعمة. في الواقع، تقاس فعالية الدبلوماسية العامة بالتغير الذي تحدثه في الآراء (كما يتضح في المقابلات أو استطلاعات الرأي)، وليس بحجم الدولارات التي تنفق أو عدد الرسائل التي يتم بثها.
من شأن السياسات الداخلية أو الخارجية التي تبدو منافقة، أو متعجرفة، أو غير مبالية بآراء الآخرين، أو التي تستند إلى مفهوم ضيق للمصالح الوطنية، أن تقوض القوة الناعمة. على سبيل المثال، كان هناك انخفاض حاد في جاذبية الولايات المتحدة في استطلاعات الرأي التي أجريت بعد غزو العراق في عام 2003. وفي سبعينيات القرن العشرين، عارض الكثير من الناس في جميع أنحاء العالم حرب الولايات المتحدة في فيتنام، وعكست مكانة أميركا العالمية مدى عدم شعبية تلك السياسة.
يحتج المتشككون بأن مثل هذه الفترات تظهر أن القوة الناعمة لا تهم كثيرا؛ فالبلدان تتعاون من منطلق المصلحة الذاتية. لكن هذه الحجة تغفل نقطة حاسمة: التعاون مسألة تتعلق بالمقدار، وتتأثر درجة التعاون بالجاذبية أو النفور.
لحسن الحظ، لا تعتمد القوة الناعمة لبلد ما على سياساته الرسمية فحسب، بل تعتمد أيضا على جاذبية مجتمعه المدني. فعندما كان المتظاهرون في الخارج يقومون بمسيرات ضد حرب فيتنام، رددوا في كثير من الأحيان نشيد حركة الحقوق المدنية الأميركية، «سوف ننتصر». وبالنظر إلى خبرتنا السابقة، فهناك ما يبعث على الأمل في أن تستعيد الولايات المتحدة قوتها الناعمة بعد ترمب، ولو أن زيادة الاستثمار في الدبلوماسية العامة من شأنها أن تساعد في هذا الصدد بالتأكيد.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.