الأربعاء 18 شعبان / 24 أبريل 2019
01:14 م بتوقيت الدوحة

التكنولوجيا وجاذبيتها الخطيرة في عالم الصحافة (1-2)

التكنولوجيا وجاذبيتها الخطيرة في عالم الصحافة (1-2)
التكنولوجيا وجاذبيتها الخطيرة في عالم الصحافة (1-2)
كان المفترض أن تحلّ التكنولوجيا بعضاً من أكبر مشكلات العالم، فقد تصور المراقبون ذات يوم أن توصيل الجميع بشبكة الإنترنت لا بد أن يتبعه انتشار الديمقراطية في كل مكان، وبجمع القدر الكافي من البيانات يصبح بوسعنا الإجابة على كل التساؤلات التي تحيّرنا، وإذا وضعنا كل شيء على الإنترنت فسوف تتولى الخوارزميات بقية الأمر، وبهذا يدير العالم نفسه عملياً.

ولكن بدلاً من ذلك، بتنا نعلم الآن أن التكنولوجيا الرقمية يمكن استخدامها لتقويض الديمقراطية، وأنها تثير من الأسئلة أكثر مما تقدم من إجابات، وأن العالم الذي يدير نفسه يبدو أقرب إلى سيناريو كابوسي مستلهم من روايات جورج أورويل من كونه هدفاً نبيلاً، ولكن برغم أن التكنولوجيا ليست الحل حقاً، فإنها أيضاً ليست المشكلة، بل المشكلة في تركيزنا عليها قصراً.

لنتأمل هنا تجربة صناعة الإعلام، حيث عاثت الثورة الرقمية فساداً في نماذج الأعمال السائدة على مدار العقد الماضي، فقد استجاب الناشرون والمحرّرون بوضع إيمانهم في التكنولوجيا: بتتبع مختلف أشكال المقاييس، واحتضان صحافة البيانات، والاستعانة بفرق الفيديو، وفتح استوديوهات البثّ الصوتي.

ثم في وقت أقرب إلى الزمن الحاضر، حوّلت المنظمات الإعلامية اهتمامها نحو حلول الذكاء الاصطناعي التي تتعقب تفضيلات الجمهور، وتنتج تلقائياً المحتوى المرغوب والترجمات، وتنبّه الصحافيين إلى الأخبار العاجلة، وغير ذلك كثير، في أحدث تقرير صادر عن معهد «رويترز» لدراسة الصحافة حول اتجاهات وسائل الإعلام، قال 78 % من المستجيبين لاستطلاع غير تمثيلي لقادة وسائل الإعلام الدولية، إنهم يخطّطون لزيادة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي هذا العام.

لكن آخر الحدود في المساعي الرامية إلى إنقاذ الصحافة -كما يعتقد كثيرون- هي سلسلة الكتل -تكنولوجيا الدفاتر الموزعة التي تقوم عليها العملات الرقمية المشفرة مثل البيتكوين- ويتبقى لنا أن نرى ما إذا كان هذا صحيحاً: كانت أول محاولة للاستفادة من سلسلة الكتل لتحرير الصحافيين من نماذج الأعمال التي تعتمد على الإعلانات، من قبل شركة سيفيل ميديا، بداية وعرة. ليس هناك ما يعيب استخدام التكنولوجيا لحل المشكلات، بما في ذلك تلك التي تخلقها التكنولوجيا، أو لمنح شركة ما ميزة تنافسية، هذا هو ما كانت تفعله صحيفة واشنطن بوست، على سبيل المثال، في السنوات الست التي مرت منذ اشتراها جيف بيزوس الرئيس التنفيذي لشركة أمازون «في وقت حيث كانت تنزف الأموال وتلغي الوظائف».
ولكن حتى أكثر التكنولوجيات تقدماً لن تنقذ صناعة الإعلام، أو أية صناعة أخرى، إذا لم تضع في الاعتبار الأشخاص الذين يستخدمونها، وهذا لا يعني الجماهير فحسب، فبعد سنوات من مطاردة أحدث الاتجاهات التكنولوجية، تواجه صناعة الإعلام على نحو متزايد الإجهاد والتوتر بين الإدارة الحالية والموظفين، والمجتمع المتضائل من المواهب الجديدة.

وفقاً لتقرير معهد «رويترز»، فإن نحو 60 % من قادة وسائل الإعلام يشعرون بالقلق إزاء حالة التوتر والإجهاد التي تخيّم على فرقهم، كما يشعر 75 % منهم الآن بالقلق حيال قدرتهم على الاحتفاظ بالعاملين واجتذابهم، ويُظهر تقرير آخر من إعداد لوسي كوينج، بعنوان «التحول الرقمي.. خريطة طريق للتحول التنظيمي»، أن المديرين المتوسطين -بشكل خاص- كانوا يخرجون من الصناعة. لا ينبغي لهذا أن يكون مفاجئاً، فقد واجه الصحافيون دائماً الضغوط في إدارة دوامة من المواقف الإخبارية الحساسة زمنياً والملحة والمتغيرة على نحو متسمر، ولكن في الماضي، كان بوسعهم على الأقل أن يعتمدوا على المؤسسات الإخبارية التي وظفتهم لتوفير الاستقرار والاتساق، والآن، يتعين عليهم أن يبحروا عبر تغيرات تنظيمية لا تنقطع مدفوعة بالتكنولوجيا -والتي تُشرح وتقدم على نحو رديء عادة- ومن الممكن أن يتسبب هذا المستوى من عدم اليقين في إبعاد حتى الموظفين الأكثر ولاء.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.