الجمعة 16 ذو القعدة / 19 يوليه 2019
03:06 ص بتوقيت الدوحة

الإرهاب اليميني أو داعش المسيحيين

الإرهاب اليميني أو داعش المسيحيين
الإرهاب اليميني أو داعش المسيحيين
في أقصى الجنوب الشرقي للكرة الأرضية، حيث تقع نيوزيلندا، والتي يغلب عليها أجواء الهدوء السياسي والتسامح، فهي بلد تأسس على الهجرات من كل دول العالم، وإن كان السكان من ذوي الأصول الأوروبية هم الأكثرية حوالي 74 %.

ويبلغ عدد المسلمين في نيوزيلندا حوالي ٤٧ ألف نسمة، أي ما يقارب الـ 1% من السكان، فهم أقلية صغيرة جداً في المجتمع النيوزيلندي، وحتى بافتراض الطرح المتطرف اليميني المعادي للهجرة، لا يمكن لهذا العدد، الصغير نسبياً للمسلمين في نيوزيلندا، أن يشكل تهديداً ثقافياً أو دينياً يفرض نفسه بالقوة على النيوزيلنديين، ولا يمكنهم أيضاً أن يشكلوا تحدياً اقتصادياً يهدد الأمن الوظيفي للأغلبية المسيحية ذات الأصول الأوروبية.

ومع ذلك لم تسلم نيوزيلندا من عدوى اليمين المتطرف التي أصابتها منذ ثمانينيات القرن الماضي، وبالمناسبة يتمركز هذا التيار اليميني في مدينة كرايست تشيرش التي وقعت فيها الأحداث الأليمة الأخيرة للمصليين في المسجدين، وراح ضحيتها 50 شخصاً، وأصيب العشرات.

ولكن ما هي حقيقة التيار اليميني؟ وما هي أفكاره؟ ولماذا يجب الحذر منه؟!

يبدو أن الإعلام الغربي يحاول تسمية هذا التيار أو هذا الفكر بغير حقيقته، ويصفه بالتيار اليميني، على الرغم من أن بداية هذا المصطلح في فرنسا كانت أيام الثورة، حيث يجلس أعضاء البرلمان الموالين للملكية في المقاعد على اليمين، بينما يجلس المعارضون للملكية إلى اليسار، وتطور مع مرور الزمن المصطلحان (فالتيار اليميني) توصف به الأحزاب المحافظة والدينية، بينما (التيار اليساري) يخصص للأحزاب ذات الأفكار الماركسية والاشتراكية والنقدية عموماً.

إذاً يصف «اليميني» الاتجاه الديني، وبالتحديد المسيحي منه، وبذلك تتضح لدينا حقيقة مصطلح «اليميني المتطرف»، والتي تعني المسيحي المتطرف، وهذا ما يتحاشاه الإعلاميون والسياسيون والباحثون الغربيون، لأنه إذا ما وجد المسيحي المتطرف فهناك المسيحية المتطرفة، كما أن هناك الإسلاميين المتطرفين والإسلام المتطرف!

كلنا يتذكر أشهر حركة يمينية متطرفة أميركية، حركة «كو كلوكس كلان»، وتختصر بـ «KKK»، وهي واقعياً حركة عنصرية ترى تفوق العنصر الأبيض، وكانت تعادي حركة الحقوق المدنية أو حركة تحرر العبيد في أميركا، ولكنها بالواقع حركة مسيحية ترفع الصليب، وترسمه على الملابس الخاصة لأتباعها، مما حدا بالكنائس المسيحية، وخاصة البروتستانتية منها، بالتنديد والرفض لكل أفعال الـ «KKK». يجب تسمية الأشياء بمسمياتها، فهي أول الخطوات لمعالجة المشاكل، وخصوصاً قضايا العنصرية والتطرف الديني، فجميع الأحزاب اليمينية الغربية تؤمن بالأفكار المحافظة والدينية، وتتدرج من الاعتدال حتى التطرف، وترفع شعار الوطنية والمحافظة على المكاسب الاقتصادية للمواطنين الأصليين، ولكنها بالواقع هي أحزاب عنصرية، وأحياناً متعصبة دينياً. لقد أصبح الإرهاب اليميني الآن تهديدًا حقيقيًا ومميتًا في العديد من الدول الغربية، بما في ذلك الولايات المتحدة، فأثبتت دراسة لمجموعة مكافحة التشهير الأميركية أن «التطرف اليميني» كان مسؤولاً عن 73% من عمليات القتل ذات الصلة بالتطرف الداخلي في الولايات المتحدة من عام 2009 إلى ٢٠١٨، بينما شكّل «التطرف الإسلامي» ما يعادل 23% من تلك الحوادث.

ختاماً: ضربت رئيسة الوزراء النيوزيلندية أروع الأمثلة في الشجاعة والحيادية، عندما سمّت الحادثة (بالحادثة الإرهابية)، وليست كما حاول بعض الإعلام الغربي والعربي للأسف أن يسميها بجريمة إطلاق نار من سفّاح، ليخفي دوافعها العنصرية والدينية. لقد أبدت رئيسة الوزراء جاسيندا أرديرن تعاطفاً كبيراً مع الضحايا، بل وأظهرت دعمها لمواطنيها المسلمين، رغم أنهم أقلية صغيرة جداً، وليست مهمة بالانتخابات، وارتدت الحجاب، ونظمت الجمعة الماضية تجمعاً شعبياً عند المسجدين المنكوبين، وأعلنت عن دعوتها لاجتماع دولي لمحاربة العنصرية والخطاب المعادي للآخر. الخلاصة: العنصرية والتطرف الفكري والتشدد الديني جميعهم يهدفون إلى إقصاء الآخر فكرياً، ويمهدون الطريق إلى الإرهاب، حيث يتم إقصاء الآخر واقعياً بتصفيته أو تخويفه لإبعاده، وفي حادثة نيوزيلندا الإرهابية كان الآخر هو المسلم، بسبب انتشار الإسلاموفوبيا وخطاب الكراهية ضد الإسلام، ولكن بالتأكيد يشمل الآخر كل من ليس أبيض أو مسيحياً، كالهندوسي، والآسيوي، والأسود، وغيرهم.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.