الأربعاء 18 شعبان / 24 أبريل 2019
01:14 م بتوقيت الدوحة

«الشعب الجمهوري» وتلاوة القرآن

«الشعب الجمهوري» وتلاوة القرآن
«الشعب الجمهوري» وتلاوة القرآن
طلب بعض أعضاء حزب الشعب الجمهوري من عصمت إينونو، ثاني رئيس للجمهورية التركية الحديثة، بعد مؤسسها مصطفى كمال أتاتورك، أن يستخدم في خطاباته وتصريحاته عبارات دينية، ويذكر اسم الله، ورد عليهم إينونو متسائلاً في استنكار: «أقول لهم -أي الناخبين- خلال مغادرتي: «في أمان الله»، ألا يكفي هذا؟».

هذه القصة تحكي للإشارة إلى مدى بُعد قادة حزب الشعب الجمهوري عن التدين والمتدينين. وهي قصة تعكس تاريخ هذا الحزب الذي تبنى العلمانية المتطرفة منذ تأسيسه، وتختصر سجله المليء بسياسات ومواقف معادية للإسلام والمسلمين، وضغوط مورست على المواطنين المتدينين باسم التحضر والتقدم ومكافحة التخلف والرجعية.

حزب الشعب الجمهوري في ذاكرة الشعب التركي هو الحزب الذي منع رفع الأذان باللغة العربية لمدة 18 عاماً، وكذلك الحزب الذي حظر تعليم القرآن الكريم، وسجن كل من عارض هذا القرار وكل من علّم الأطفال والمواطنين تلاوة كتاب الله. وما زال كبار السن يقصون على أحفادهم كيف كانوا يجتمعون في بعض البيوت سراً، ويأخذون تدابير مختلفة لعدم انكشاف أمرهم، خوفاً من الاعتقال، وهم يتعلمون تلاوة القرآن، ويدرسون العلوم الدينية. ولم ينس الرأي العام التركي حتى الآن تحويل بعض المساجد إلى مخازن وحظائر وخمارات في رئاسة عصمت إينونو.

أستاذ الفلسفة الإسلامية والتركية النائب الراحل ياشار نوري أوزتورك، الذي انتخب لعضوية البرلمان التركي عام 2002 ضمن قوائم حزب الشعب الجمهوري، استقال من الحزب بعد فترة وجيزة، متهماً إياه بأنه منزعج من الدين نفسه، لا من الأخطاء المرتكبة باسم الدين، وأن في حزب الشعب الجمهوري قادة يعتبرون مجرد ذكر اسم «الله» تعارضاً مع العلمانية.

العلمانيون المتطرفون المسيطرون على حزب الشعب الجمهوري يرون تلاوة السياسيين للقرآن الكريم واستدلالهم بآيات كتاب الله، وأحاديث النبي -صلى الله عليه وسلم- في كلماتهم بأنها «استغلال للدين لأغراض سياسية». وعلى الرغم من أن السياسي في نظر هؤلاء يجب أن يبتعد عن الصلاة مع الجماعة، واستخدام الآيات والأحاديث والعبارات الدينية في الخطابات، إلا أنهم لا يتمالكون أنفسهم، ويمارسون قبيل الانتخابات بعض تلك التصرفات التي يرونها خاطئة، ويعتبرونها متاجرة بالدين، لأنهم يريدون أن يكسبوا ودّ الناخبين المتدينين وأصواتهم.

مرشح حزب الشعب الجمهوري للانتخابات المحلية في اسطنبول، أكرم إمام أوغلو، دخل قبل أيام مسجد أيوب سلطان التاريخي في اسطنبول، وتلا أمام الكاميرات «سورة يس»، ليسأل الله في ختام تلاوته أن يتغمد برحمته ضحايا الهجوم الإرهابي الذي استهدف مسجدين في نيوزيلندا. وكان مرشح حزب الشعب الجمهوري للانتخابات الرئاسية، محرم إنجه، سبقه في ذلك، مؤدياً صلاة الجمعة أمام الكاميرات قبل الانتخابات.

الانتخابات المحلية في تركيا على الأبواب. ولا يفصلنا عنها سوى أسبوع. والمنافسة بين الأحزاب والمرشحين على أشدها. ولذلك قد يفسر البعض ما قام به مرشح حزب الشعب الجمهوري في اسطنبول بأنه مجرد محاولة للضحك على الناخبين، والظهور بصورة مرشح يحترم المتدينين.

النوايا لا يعلمها إلا الله. ولا ينبغي أن يتهم أحد صدق إنجه أو إمام أوغلو في صلاتهما أو تلاوتهما للقرآن. بل يجب أن نفرح بمثل هذه الأعمال التي يسعى السياسيون من خلالها إلى كسب قلوب المواطنين، لأنها تعزز الإرادة الشعبية، وتكسر شوكة العلمانية المتطرفة.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.