الإثنين 16 شعبان / 22 أبريل 2019
01:23 م بتوقيت الدوحة

فارس بارود وقضية مهمشة!

فارس بارود وقضية مهمشة!
فارس بارود وقضية مهمشة!
فارس بارود (51 عاماً) إنسان فلسطيني أمضى أكثر من نصف حياته داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي، محكوم -أو كان- بالمؤبد مدى الحياة، أمضى ٢٨ سنة في السجن حتى أصبح اسمه عميد أسرى غزة، منها ١٨ سنة وحيداً داخل العزل الانفرادي.
كان فارس يعيش وحيداً في السجن، كما والدته التي كانت تعيش وحيدة في بيتها بمخيم الشاطئ للاجئين في قطاع غزة، هو ابنها الوحيد الذي منعها الاحتلال من زيارته داخل السجن حوالي ١٨ سنة، فقدت بصرها من شدة حزنها عليه وشوقها إليه.
سأل أحد الأسرى فارس بعد خروجه من العزل الانفرادي إن كان يشتاق إلى الحرية؟
فأجاب: «أنا كالمقطوع من شجرة، ليس لي في هذه الحياة الدنيا إلا أمي، وقد تفارق الحياة قبل خروجي من السجن، لكن اشتاق إلى البحر.. فأنا أحب البحر جداً».
أمه لم تكن تكل أو تمل من الحديث عن شوقها إليه، ورغم فقدانها بصرها فإنها كانت تعرف الطريق إلى كل اعتصام وفعالية لأجل الأسرى وحريتهم، وكانت تتنظر -مثل كل الأمهات- اليوم الذي ترى فيه ابنها عريساً يزف إلى عروسه، وكانت تبحث له أحياناً عن عروس منتظرة خروجه في أية لحظة.
فارس خرج أخيراً من سجون الاحتلال ولكن شهيداً، جراء الإهمال الطبي، وبعد أن رحلت أمه قبل عام، بعد طول مكابدة مع الشوق والحزن والقهر.
من كان له قلب عاش الألم عندما سمع بقصة فارس وأمه، ربما لدقائق، أو ساعات، أو أيام، لكن فارس وأمه عاشوا الألم أكثر من ربع قرن بأيامها ولياليها.
الأنكى من ذلك أن رئيس السلطة محمود عباس قطع راتب الأسير الشهيد فارس قبل استشهاده، بحسب ما أفاد مكتب إعلام الأسرى، وآلاف آخرون أيضاً قطعت رواتبهم ومخصصاتهم المالية قبل أيام غزة، بينهم عوائل شهداء وأسرى وجرحى.
حتى من قطعوا راتب فارس نعوه وأدانوا الجريمة بحقه، مع أنه كان يموت ببطء ويذبح بصمت لسنوات طويلة، دون أن يتحرك لأجله أحد سوى بعض البيانات الاعتيادية، ولم تحدث (الضجة الإعلامية) إلا بعد رحيله.
تماماً مثل غزة، السجن المفتوح الأكبر في العالم، تذبح ببطء، كل يوم يزداد الخناق، شيئاً فشيئاً حتى يطبق على الأنفاس، الإغاثات تتواصل، والفقر يزداد، والجوع يأكل الأكباد، دونما حراك حقيقي، هي وحيدة مثل فارس منسية سوى من بعض البيانات، ووجبات الطعام المتقطعة التي تأتي من خلال السجان، غير أنه ليس لها اليوم أم، ولا تشعر بوجود الإخوة دوماً.
كل شيء شبه متوقف ويكاد يتوقف تماماً في غزة، حتى المستشفيات التي تترنح من حين لآخر، والعالم لا يتذكر غزة إلا حال حصلت فيها مأساة كبرى من قبيل موت كثير وما شابه، ربما بعد فوات الأوان كمثل تذكرهم لفارس بعد رحيله.
ويذكرها الآخرون باعتبارها غزة البطلة التي تحمل قضية الأمة وتنافح عنها، وبالنيابة عنهم، كما لو كانت معزوفة موسمية، أما غزة التي تموت ببطء دون صخب فهي منسية مهمشة، لا يسمع الناس عن أوجاعها إلا حين تطرق جدران الغلاف.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.