الأربعاء 18 شعبان / 24 أبريل 2019
01:06 م بتوقيت الدوحة

‏سوريا أيام زمان

‏سوريا أيام زمان
‏سوريا أيام زمان
والضد يُظهر حسنه الضد.. وبضدها تتميز الأشياء.. هكذا قال شاعرنا المتنبي، فحين نكتب عن سوريا أيام زمان، يستطيع القارئ أن يفهم أي سوريا كان أجدادنا يعيشونها، وأي سوريا وصلنا إليها. لديّ هنا عدة صور سأسردها نقلاً عن أصدقاء عايشوا تلك الفترة، وصور قرأت عنها، وثمة مئات بل وربما آلاف الصور التي لديّ أو لدى غيري ليسردها؛ ولكن فقط، وفقط من أجل قدح شرارة في الذاكرة لندرك الهوة السحيقة التي جرّنا إليها الطائفيون على مدى عقود، وحجم الخسائر المرعبة التي ألحقوها بالشخصية السورية وربما بالشخصية الإنسانية ككل، كون الشخصية السورية ونتاجها ملكاً لتلك الإنسانية ولم تكن يوماً ملكاً للشام فقط.
الصورة الأولى حين خرج الرئيس السوري -آنئذ- شكري القوتلي من فندق بارود بحلب، إثر مناقشاته مع منافسته الكتلة الوطنية لتشكيل حكومة في ذلك الزمان، اقترب منه متظاهر ليمسك بتلابيبه مخاطباً إياه: «السيد الرئيس، نريد حرية» فرد عليه الرئيس بقوله بعد أن زانه من مفرق رأسه إلى أخمص قدميه، وهل هناك حرية أكثر من أن تمسك بتلابيب رئيسك؟!
‏الصورة الثانية ما رواه لي صديق شامي مسنّ، التقى يوماً ما في الستينات الرئيس ناظم القدسي، وكان الصديق الشاب في تلك السنوات معارضاً له، فيروي لي كيف اقترب منه وبدأ يحدجه بنظرات ملؤها الغضب والامتعاض، «وكأنني أريد أن أنقضّ عليه لأفتك به، لكن لم يكن من الرئيس يومها الذي لم يكن يرافقه أحد، لا من فرق براميل متفجرة ولا فرق مناشير، إلاّ أنه نظر بالأرض وتابع طريقه».
الصورة الثالثة ما دوّنها وزير الإعلام السوري الأسبق والطبيب الإنسان الدكتور عبدالسلام العجيلي عن رئيسه ناظم القدسي أيضاً، وهي صورة في غاية بناء الدول ومؤسساتها، يقول العجيلي إنه في أحد الأيام اتصلت به موظفة مقسم الهاتف لتستأذنه بإعطاء رقم هاتف منزله للرئيس القدسي، الذي كان قد اتصل به يطلب وزير إعلامه فاعتذرت له، كون رقم هاتف منزله على قائمة الهواتف المحظور مشاطرة أرقامها، فسمح لها الوزير بأن تمنحه للرئيس، وحين نقرأ عن تصرف عاملة مقسم الهاتف مع الرئيس بهذا الشكل ندرك عمق المؤسسات التي كانت متجذرة في تلك الفترة، بحيث عاملة مقسم وصلت لمرحلة ترفض طلب رئيس الجمهورية!
الصورة الرابعة حين خاض أول مراقب عام للإخوان المسلمين، المرحوم بإذن الله الدكتور مصطفى السباعي، الانتخابات العامة، كانت رئيسة حملته الانتخابية ابنة فارس الخوري، وهو يعكس عمق معاني الحرية التي دعت مسيحية لتكون رئيسة الحملة الانتخابية للإخوان المسلمين، وهي الحرية نفسها التي دفعت الشيخ السلفي المعروف بهجت البيطار أن يضع عمامته على رأس رئيس المجلس النيابي فارس الخوري المسيحي، ليقول له هذه العمامة تليق بهذا الرأس، رحمهم الله جميعاً.
وتبقى شهادة باني دولة ماليزيا مهاتير محمد حين زار دمشق في الخمسينيات؛ حيث كان حلمه بأن تغدو ماليزيا كسوريا، وهو الحلم نفسه الذي كان يراود أهل كوريا في الخمسينيات لتكون مصر ثانية، أجزم أن ثمة آلاف الصور التي يمكن أن نتحدث فيها عن سوريا وعن ذاك الزمن الأغرّ؛ ولكن ضيق المساحة لا يتيح لنا الإسهاب، تلك هي سوريا، فأي سوريا نعيشها اليوم من خراب ودمار واحتلالات، وصدق المتنبي وبضدها تتميز الأشياء...
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.