الإثنين 16 شعبان / 22 أبريل 2019
01:16 م بتوقيت الدوحة

الاستهانة بالدستور مقدمة للابتذال السياسي

الاستهانة بالدستور مقدمة للابتذال السياسي
الاستهانة بالدستور مقدمة للابتذال السياسي
كان الرئيس السوري السابق حافظ الأسد يعد ابنه (باسل) ليكون خليفة لوالده على منصب الرئاسة في (الجمهورية) السورية، إلا أن الابن الأكبر توفي في حادث مفاجئ ليربك ترتيبات الخلافة، فشرع الأسد الكبير على الفور في إعداد نجله (بشار)، لكن الرئيس حافظ الأسد مات قبل أن يبلغ بشار سن الخامسة والثلاثين التي يحددها الدستور ضمن شروط الرئاسة، فما كان من «ترزية» حزب البعث إلا أن فصلوا شروط الرئاسة على مقاس نجل الرئيس الراحل، إذ يبدو أن شبح الأسد الكبير كان ماثلاً يثير الرعب في المشهد الذي شكلته مظاهر الخوف والخنوع والنفاق، وغير ذلك من سوءات الدكتاتورية.
الدستور نصوص راسخة، يكيف المجتمع السياسي نفسه عليها، كضمانة مهمة للاستقرار، وليس نصوصاً مبتذلة تعدّل وفق أهواء فرد أو جماعة، فيعدّل النص المحدد للعمر ليناسب عمر شخص بعينه، أو المحدد للدورات الرئاسية، ويزاد عدد الولايات لتحقيق رغبة عشيرة الزعيم في تخصيص ولاية خاصة بهم، وتتعدد الأمثلة.
في السودان عُدل دستور 56 في عام 64، ليرأس مجلس السيادة رئيس دائم بدلاً عن أن تكون الرئاسة دورية بين أعضاء المجلس الخمسة، كما كان في الديمقراطية الأولى. فُصّل ذلك التعديل على مقاس السيد إسماعيل الأزهري، الذي انتزع سلطات لرئيس المجلس، فتشوّه نظام الحكم في السودان، ولم يعد جمهورية برلمانية، ولا جمهورية رئاسية.
المثال الثاني هو التعديلات الكثيرة التي اضطرت لها الجمعية التأسيسية حتى تتمكن من إصدار قرار حل الحزب الشيوعي، كان طبيعياً أن يعبّر دستور السودان في 56 -والبلاد تتنسم للتو عبير الحرية- عن قيم الحرية. فنص الدستور في مادة قصيرة متماسكة على أن:
«لجميع الأشخاص الحق في حرية التعبير عن آرائهم، والحق في تأليف الجمعيات والاتحادات في حدود القانون».
كانت تلك المادة حامية للحزب الشيوعي، فأعمل فيها خصوم الحزب تعديلات وتعديلات، حتى تمكنوا من حلّ الحزب، وطرد نوابه المنتخبين من الجمعية.. ومن طرائف ذلك الحدث أن الجمعية كلما أجرت تعديلاً اكتشف نوابها أن التعديل غير كاف، فكانت التعديلات في فترات متباعدة.. أجروا التعديل الأول:
«على أنه لا يجوز لأي شخص أن يروّج أو يسعى لترويج الإلحاد، أو عدم الاعتقاد في الأديان السماوية، أو يعمل أو يسعى للعمل عن طريق استعمال القوة أو الإرهاب، أو بأية وسيلة غير مشروعة لقلب نظام الحكم».
ثم تعديل وتعديل، حتى تم طرد نواب الحزب من الجمعية، رغم أنهم منتخبون كغيرهم من النواب.
كانت تعديلات معيبة ابتذلت الدستور، واعترف بالخطأ -فيما بعد- كل من شارك فيها. فهل يتعظ الذين يسعون اليوم لتعديل الدستور لمنح الرئيس البشير دورة رئاسية جديدة؟
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.